الشيخ السبحاني
446
الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل
عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً « 1 » . وهذا يعرب عن أنّ بعض المبايعين كانوا على مظنة النكث بما عاهدوا وبايعوا عليه ، وأن البعض الآخر كانوا على مظنة الوفاء به وإلا فلو كان الوفاء معلوما منهم ، فما معنى هذا الترديد . وليست الآية خطابا قانونيا حتى يقال إنها من قبيل إيّاك أعني واسمعي يا جارة ، بل قضية خارجية مختصة بأناس معينين . ورابعا : إنّ السّنّة تدل على أنّ نزول السكينة كان مختصا بمن علم منه الوفاء ، وبالتالي يكون الرضا أيضا مخصوصا بهم . أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ ، قال : إنما أنزلت السكينة على من علم منه الوفاء » « 2 » . وخامسا : إنّ الرضا تعلق بالمؤمنين . ومن المعلوم أنّه بايع النبي في غزوة الحديبية جماعة من المنافقين أيضا ، بلا خلاف . وبما أنهم كانوا مختلطين غير متميزين فلا يحكم على كل واحد بالرضا والعدالة ، إلّا إذا ثبت أنه مؤمن غير منافق . وكيف يمكن أن يكون للآية عموم أفرادي وأزماني يعمّ جميع المبايعين إلى آخر أعمالهم ، مع أنّ طلحة والزبير ممن بايعا بيعة الرضوان ، وقد وقع منهما من قتال عليّ ما خرجا به عن الإيمان وفسقا عند جمع من المسلمين ، كالمعتزلة ومن جرى مجراهم ، ولم يمنع وقوع الرضا في تلك الحال من وقوع المعصية فيما بعد ، فما ذا الذي يمنع من مثل ذلك في غيرهم « 3 » . الآية الثانية : قوله سبحانه : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ ، رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً ، يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ، ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي
--> ( 1 ) سورة الفتح : الآية 10 . ( 2 ) الدر المنثور ، ج 6 ، ص 73 . ( 3 ) لاحظ التبيان ، ج 9 ، ص 329 .